مصطفى ديب البغا / محيي الدين ديب مستو

153

الواضح في علوم القرآن

ويقطع عليهم الطريق ويسد في وجههم السبل ، فيسجل عليهم العجز ولو اجتمع لذلك الجن والإنس : قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [ الإسراء : 88 ] . بل يصل الأمر إلى صراحة في التحدي لا يمكن أن يجرؤ عليها بشر ذو عقل - لو كان هو الذي يقول ذلك - فينفي عنهم القدرة على سبيل التأييد : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ [ البقرة : 24 ] . 2 - عجزهم عن المعارضة واضطراب موقفهم : كان هذا التحدي والعرب في ذروة مجدهم فصاحة وبلاغة ، ومعرفة بفنون القول وأساليب الكلام ، فكان مقتضى ذلك - وهم أكثر ما يكونون حرصا على إطفاء نوره وإخفاء أمره - أن يهبوا لمعارضته ، ويدفعوا بذلك خطره عنهم ، ويمحوا الخزي الذي ألصقه بهم - لو كان ذلك في مقدورهم - كيف لا ، وهم الذين قالوا : لو نشاء لقلنا مثل هذا ؟ ولكن شيئا من هذا لم يحصل ، ولم ينقل عن واحد منهم أنه استجاب لتحدي القرآن في محاولة ما ، أو حدّث نفسه بشيء من ذلك . وإنما الذي حصل هو أنهم تعدوا هذا وعدلوا إلى مسالك شائكة ، وانتهجوا أساليب ملتوية ، فما أن قرع القرآن أسماعهم بهذا التحدي الصارخ حتى اضطربوا في قولهم ، وحاروا في أمرهم ، ولجؤوا إلى وصفه بالشعر تارة ، وبالسحر أخرى ، وبالكهانة مرة ، وبالجنون حينا ، وغير ذلك مما اضطربوا فيه وتلجلجوا وسجله عليهم القرآن : بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ [ الأنبياء : 5 ] . وَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كافِرُونَ [ الزخرف : 30 ] . أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ [ الصافات : 36 ] . وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ ( 41 ) وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ( 42 ) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ [ الحاقة : 41 - 43 ] .